بقلم الدكتورة/ نادية حلمى ،الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
أشار الرئيس الصينى شى جين بينغ إلى أن كلاً من الصين ومصر تمران بمرحلة حاسمة من التنمية والنهضة. فقد حققت الصين بداية موفقة فى تنفيذ خطتها الخمسية الخامسة عشرة، بينما تمضى مصر قدماً فى بناء الجمهورية الجديدة وتتجه نحو تحقيق أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠. وشدد على ضرورة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر، وتعزيز بناء مجتمع صيني مصري ذي مصير مشترك، والعمل معاً لتحقيق التحديث. وقد أثارت هذه التصريحات لديّ العديد من الأفكار، إذ تعكس كلمات الرئيس الصيني شي جين بينغ عمق العلاقة التاريخية والاستراتيجية بين الصين ومصر، مسلطة الضوء على عدة أبعاد سياسية وإقتصادية هامة، مثل تقارب رؤى التنمية، فى حين تدخل الصين مرحلة جديدة مع خطتها الخمسية الخامسة عشرة لتعزيز الإبتكار والتطوير التكنولوجى.
من جهة أخرى، تمضى مصر بخطى ثابتة نحو جمهورية جديدة وتحقيق أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠ في مجالى (البنية التحتية والتنمية الإقتصادية). ويرتبط البعد الآخر بتعزيز الشراكة الإستراتيجية من خلال الإرتقاء بالعلاقات من التعاون الثنائى التقليدى إلى شراكة إستراتيجية شاملة. وتعكس تصريحات الرئيس شى جين بينغ بناء مجتمع ذى مصير مشترك، إذ تعكس رغبة البلدين في تنسيق مواقفهما السياسية والإقتصادية في مواجهة التحديات العالمية. ويشير الجزء الأخير من تصريحات الرئيس شى إلى التكامل الإقتصادى والتحديث، لأن هذا التعاون بين مصر والصين يفتح المجال أمام زيادة الإستثمارات الصينية فى قطاعات الطاقة والنقل والتكنولوجيا فى مصر. ويسهم ذلك فى دمج رؤية مصر مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، مما يعزز مكانة مصر كمركز لوجستى عالمى.
وبصفتى أكاديمية مصرية وخبيرة فى السياسة الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الصينى، أستطيع أن أدرك أهمية تعاون الصين ومصر فى سبيل التحديث، في هذه المرحلة الحرجة من مسيرة التنمية لكلا البلدين، وذلك من خلال أبعاد متعددة. تكمن أهمية التعاون الصيني المصري في التحديث في التكامل الإستراتيجى ونموذج الشراكة الرائدة بين بلدان الجنوب. يمر كلا البلدين بمرحلة تاريخية حاسمة، حيث تسعى الصين إلى التحديث على الطريقة الصينية وتعزيز الإنفتاح عالي الجودة، بينما تعمل مصر على بناء جمهوريتها الجديدة وتحقيق أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠. ويمكن تلخيص أبعاد هذه الأهمية في النقاط الاستراتيجية التالية: (مواءمة رؤى التنمية الرئيسية) من خلال مبادرة الحزام والطريق الصينية والجمهورية المصرية الجديدة، وذلك بدمج مبادرة الحزام والطريق الصينية مع المشاريع المصرية الضخمة لتطوير البنية التحتية. إضافةً إلى ذلك، (الدور المحوري لقناة السويس) من خلال الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر كمركز لوجستي رئيسي يربط طرق التجارة الصينية بأفريقيا وأوروبا.
علاوة على ذلك، تلعب الصين دوراً محورياً كمركز لوجستى رئيسى في المنطقة الإقتصادية تيدا شمال غرب قناة السويس فى العين السخنة، وذلك من خلال تحويل المنطقة الصناعية في السخنة إلى قاعدة صناعية متطورة لنقل التكنولوجيا الصينية وتوطينها. وتستند جهود الصين في تحديث مصر إلى تسريع التنمية الاقتصادية والصناعية، نظرًا لنمو التبادل التجاري والزيادة المتوقعة في حجم التجارة الثنائية إلى ١١.٨ مليار دولار أمريكي في النصف الأول من عام ٢٠٢٦، ما يمثل زيادة سنوية تقارب ٢٣%. ويتجلى ذلك أيضاً فى إستثمارات الصين فى الطاقة النظيفة فى مصر، حيث وقّعت إتفاقيات ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء بقيمة ١٤.٧ مليار دولار أمريكى.
يمتد دور الصين فى تحديث مصر ليشمل أيضاً نقل التكنولوجيا والدعم المالى، من خلال توفير برامج تدريب تقنى للمصريين، وتسهيل المعاملات المالية عبر بنوك مشتركة، والتعاون في علوم الفضاء والإبتكار. وأخيراً، نلاحظ الأدوار التكاملية لمصر والصين في تعزيز التوازن والعدالة داخل النظام الدولى وقيادة دول الجنوب العالمى. ويتحقق ذلك من خلال تضخيم صوت الدول النامية عبر التنسيق المشترك ضمن التكتلات الدولية الكبرى، مثل مجموعة البريكس
(BRICS)
لتعزيز التعددية القطبية وإصلاح النظام الإقتصادى العالمى. علاوة على ذلك،إتفقت مصر والصين على العمل من أجل تحقيق الإستقرار الإقليمى، وتوصلتا إلى توافق سياسى كامل لدعم الحلول الدبلوماسية السلمية للأزمات فى الشرق الأوسط وأفريقيا ودول الجنوب العالمى.
يُعدّ التعاون بين مصر والصين خطوة إستراتيجية محورية نحو تحقيق التحديث الهيكلى وشراكة تنموية شاملة، إذ تتوافق رؤية مصر ٢٠٣٠ لبناء جمهورية جديدة مع مبادرة الحزام والطريق الصينية. وتكمن أهمية هذا التعاون فى إنتقال مصر من مرحلة الإستيراد وحسن النية السياسية إلى مرحلة التوطين الصناعى، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، وبناء قدرات رقمية مكتفية ذاتياً. وتتوزع الأهمية البالغة لهذا التعاون على المجالات الرئيسية التالية للتحديث، مثل: التحديث التكنولوجى والإقتصاد الرقمى، من خلال بناء القدرات الرقمية، حيث تشارك مصر بنشاط في مشاريع مركز التعاون الصينى الأفريقى في مجال التكنولوجيا الرقمية لتطوير برامج بحث وتطوير مشتركة، ودور الذكاء الإصطناعى والإبتكار الصينى في تعزيز الشراكة والتحديث في مصر. ويركز التعاون الحالى بين مصر والصين بشكل أساسى على الحوسبة والذكاء الإصطناعى وتقنيات الإبتكار التكنولوجى، والتى تُعدّ من أهم أولويات كلاً من الشعب والحكومة المصرية.
علاوة على ذلك، تُساهم الصين فى تحديث شبكات الإتصالات في مصر، حيث تُساهم شركات صينية كبرى، مثل هواوي، في تطوير البنية التحتية للاتصالات والتحول الرقمى لقطاع الطاقة المصرى. ويتجلى دور الصين فى التحديث الصناعى وتوطين الإنتاج فى مصر من خلال التحول من الإستيراد إلى التوطين. وتركز الإستراتيجية المصرية الحالية، فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، على إستقطاب الشركات الصينية وتشجيعها على إنشاء مصانع محلية فى مصر، بدلاً من شراء المنتجات النهائية. ويتضح ذلك من خلال بناء الصين لمجمعات صناعية ضخمة، أبرزها فى المنطقة الإقتصادية لقناة السويس (تيدا مصر، التى تم توسيعها إلى ١٠ كيلومترات مربعة). وتضم هذه المجمعات مرافق لإنتاج الألياف ومواد البناء والإلكترونيات والأجهزة المنزلية، مثل مجمعى (هاير وميديا). كما تعمل الصين على توطين صناعة السيارات الكهربائية الصينية فى مصر، من خلال شراكات مع الصين لإكتساب تقنيات السيارات الكهربائية الحديثة، كما يتضح من شراكة شركة نصر للسيارات مع شركات صينية.
وتلعب الصين دوراً محورياً فى تحديث البنية التحتية والنقل الذكى فى مصر من خلال المدن الذكية، حيث نجد شركات صينية، مثل سى إس سى إيه سى
“CSCEC
التى تولت بناء الحى المالى والتجارى فى العاصمة الإدارية الجديدة، والذى يضم البرج الشهير (أطول برج فى أفريقيا)، رمزاً للتطور الحضرى الحديث. وإلى جانب دور الصين فى تحديث مصر لتصبح مركزاً للنقل الكهربائى المتقدم، من خلال تنفيذ مشروع القطار الخفيف فى مدينة العاشر من رمضان، الذي يربط القاهرة بمدن جديدة بإستخدام أحدث أنظمة النقل المستدام، تساهم الشراكة المصرية الصينية أيضاً فى تعزيز تقنيات الفضاء والطاقة المتجددة الصينية فى مصر.
وقد ساعدت الصين مصر فى تطوير قدراتها الفضائية، مما أدى إلى إطلاق القمر الصناعى مصر سات-٢، لتصبح مصر بذلك أول دولة أفريقية تمتلك قدرات متكاملة لتجميع الأقمار الصناعية ودمجها وإختبارها داخل مدينتها الفضائية. علاوة على ذلك، يتجلى التعاون الصينى المصرى فى مجال التحديث الأخضر، حيث تعمل الصين على تطوير شبكة الكهرباء الوطنية المصرية ودمج مصادر الطاقة المتجددة، مثل (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر).
بإختصار، تمثل الصين محركاً تكنولوجياً وإقتصادياً لمصر، مما يُمكّنها من تنويع شراكاتها الدولية والتحول إلى مركز إقليمى للتصنيع والتصدير. فى الوقت نفسه، تُمثل مصر بوابة جغرافية وإستراتيجية آمنة للصين للوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية عبر قناة السويس فى عالم متعدد الأقطاب.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء المركز.
