بقلم/أحمد محمد الربيعي،المختص في الشأن الصيني وعضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
المقدمة
تشهد بنية النظام الدولي في العقود الأخيرة تحولات جوهرية تعكس انتقال مركز الثقل من الغرب الصناعي إلى قوى صاعدة من الجنوب العالمي، تتقدمها جمهورية الصين الشعبية بوصفها نموذجًا مميزًا لقوة اقتصادية وتنموية تسعى إلى إعادة صياغة العلاقات الدولية على أسس أكثر توازناً واستقلالية. هذا التحول لا يعد مجرد تبدل في موازين القوة الاقتصادية، بل يمثل أيضا تحولًا في أنماط التفكير التنموي والسياسي الذي يحكم تفاعلات دول الجنوب فيما بينها.
في هذا السياق، تبرز العلاقات العراقية–الصينية بوصفها حالة دراسية تستحق التحليل. فقد تطورت العلاقة بين البلدين من تبادل تجاري واستثمارات في قطاع الطاقة إلى شراكة استراتيجية ذات أبعاد تنموية وجيوسياسية، قائمة على مبادئ التكافؤ والمنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. بذلك تمثل هذه الشراكة تجسيدا عمليًا لمفهوم التعاون جنوب–جنوب، الذي يسعى إلى تجاوز أنماط التبعية التقليدية التي ميزت علاقات دول الجنوب بدول الشمال.
تكتسب هذه المقاربة أهميتها في الحالة العراقية، إذ يسعى العراق منذ عام 2003 إلى إعادة بناء قدراته الاقتصادية وتحرير قراره السياسي من ضغوط التحالفات الأحادية. وعليه، فإن التعاون مع الصين لا يعبر فقط عن توجه اقتصادي، بل يمثل محاولة لإعادة تموضع العراق داخل شبكة علاقات دولية أكثر توازناً، بما يتيح الاستفادة من الفرص التنموية التي توفرها القوى الآسيوية الصاعدة.
تحليل هذا النموذج من العلاقات يتيح فهماً أعمق لكيفية إعادة تشكل علاقات الجنوب العالمي في ظل النظام الدولي المتغير، حيث تقوم هذه العلاقات على التكامل الاقتصادي والمصلحة المشتركة، وليس على التبعية أو المساعدات المشروطة. ومن هنا، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة العراقية–الصينية كنموذج لمقاربة جديدة في التعاون بين دول الجنوب، من خلال استعراض أبعادها ورصد انعكاساتها على موازين القوى والخيارات التنموية.
المحور الأول :مفهوم الجنوب العالمي في ظل صعود الصين
شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة تحولات عميقة في موازين القوة الاقتصادية والسياسية. ففي القرن العشرين كانت الهيمنة الاقتصادية والسياسية مركزة في الغرب الصناعي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، بينما كانت دول الجنوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تحتفظ بموقع تبعي ضمن الاقتصاد العالمي. ومع دخول القرن الحادي والعشرين، برزت قوى جديدة من دول الجنوب، وفي مقدمتها الصين، تعيد تشكيل النظام الدولي وفتح آفاق جديدة لفهم ديناميكيات التنمية والتعاون بين الدول النامية.
يشكل مفهوم الجنوب العالمي أداة تحليلية محورية لفهم العلاقات غير المتكافئة بين الشمال والجنوب، إذ يشير إلى مجموعة الدول النامية التي ظلت لعقود طويلة في موقع الهامش ضمن النظام الرأسمالي العالمي. وقد أسهم المفكر الاقتصادي سمير أمين في تطوير هذا المفهوم من خلال تحليل علاقة المركز والهامش، حيث تتحكم دول الشمال في شبكة الإنتاج والقيمة العالمية، بينما تعمل دول الجنوب كمصدر للمواد الخام وسوق للسلع المصنعة، ما يكرس التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية. ويرى أمين أن الاندماج السلبي ضمن النظام الرأسمالي العالمي يؤدي إلى استمرار التفاوت، بينما الحل يكمن في الانفصال الانتقائي الذي يمكن لدول الجنوب من بناء قاعدة إنتاجية وطنية تحقق الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة(1).
من بين التحولات الكبرى التي شهدها العالم، يبرز صعود جمهورية الصين الشعبية كنموذج ناجح لدول الجنوب في تحقيق نهضة تنموية واقتصادية مستقلة نسبياً عن المركز الرأسمالي الغربي. فقد تحولت الصين من دولة زراعية فقيرة ومعزولة عن النظام العالمي إلى قوة اقتصادية عالمية، قادرة على صياغة موقعها في الاقتصاد الدولي وإنشاء نموذج تنموي مغاير يقوم على مزيج من التخطيط المركزي والانفتاح المنضبط على الأسواق العالمية، دون التفريط بالسيادة الاقتصادية(2).
ومع انطلاق إصلاحات دينغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تبنت الصين استراتيجية الانفتاح الانتقائي، أي السماح بالاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا ضمن ضوابط صارمة لضمان عدم هيمنة رأس المال الأجنبي على الاقتصاد الوطني. فبينما شجعت بكين الاستثمار الخارجي في مناطق محددة، وحافظت على سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والاتصالات والنقل والصناعة الثقيلة. هذا التوازن بين السوق والدولة وبين الانفتاح والسيادة منح الصين قدرة فريدة على تحقيق التنمية دون الوقوع في فخ التبعية الذي وقعت فيه كثير من دول الجنوب(3).
ولم تقتصر التجربة الصينية على الداخل، بل امتدت إلى الخارج عبر مبادرات كبرى، أبرزها مبادرة الحزام والطريق، التي تهدف إلى ربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكة من البنى التحتية والممرات التجارية. تقدم الصين عبر هذه المبادرة نموذجًا جديدا للتعاون بين دول الجنوب، مختلفا عن نمط المساعدات الغربية المشروطة سياسيًا، إذ تقوم فلسفة التعاون الصينية على مبادئ المنفعة المتبادلة وعدم التدخل، ما يجعلها شريكا بديلاً لدول الجنوب يمنحها مساحة من الحركة خارج دائرة الهيمنة الغربية(4).
ولا تقتصر أهمية الصين لدول الجنوب على الجوانب الاقتصادية والتجارية فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا مؤسسية وسياسية واجتماعية حيوية. ففي الجانب المؤسسي ، تسهم الصين في تعزيز الاستقرار وبناء القدرات الوطنية من خلال دعم برامج التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع الكبرى، ما يمكن الدول النامية من تطوير أنظمة إدارية ومؤسساتية أكثر كفاءة واستقلالية، ويعزز قدرتها على تحقيق أهداف التنمية الوطنية بشكل مستدام.
كما تسهم الصين إسهامًا مهمًا في تعزيز التكامل الإقليمي بين دول الجنوب، من خلال تشجيع إقامة شبكات تعاون في مجالات التجارة والطاقة والاتصالات، مما يفتح آفاقًا جديدة لتوسيع الأسواق المحلية وتعزيز التبادل التجاري الإقليمي، بعيدًا عن الهيمنة الاقتصادية والسياسية التقليدية للدول الغربية. هذا التكامل الإقليمي يسهم في تقوية الروابط الاقتصادية بين دول الجنوب ويعزز قدرتها على التفاوض وتحقيق مصالح مشتركة في النظام الدولي.
أما البعد الاجتماعي والثقافي، فيتمثل في دعم الصين للبرامج التعليمية والتدريبية، وتبادل الطلاب والخبرات الأكاديمية، مما يسهم في تطوير رأس المال البشري وتمكين الكوادر المحلية من قيادة مشاريع التنمية المستقبلية بفعالية. وتعمل هذه الشراكات على خلق فهم مشترك لمفاهيم التنمية المستدامة، وتعزز قدرة الدول على وضع سياسات تنموية متكاملة تتوافق مع احتياجاتها الوطنية دون الاعتماد الكلي على النماذج الغربية التقليدية(5).
المحور الثاني :الشراكة الصينية–العراقية: الأبعاد التنموية والاستراتيجية في إطار الجنوب العالمي
يعد العراق، في بنيته الاقتصادية وموقعه الجيوسياسي، أحد المفاتيح المركزية لفهم ديناميات التحول الجارية في الجنوب العالمي في القرن الحادي والعشرين. فهو دولة تقع في قلب العالم النامي، محاط بتقاطعات إقليمية ودولية حادة، ويشكل من حيث موارده الطبيعية وموقعه الاستراتيجي بين الخليج العربي وبلاد الشام وإيران وتركيا، نقطة التقاء بين المصالح الاقتصادية والسياسية العالمية. لكن رغم امتلاكه إمكانات هائلة، ظل العراق شأنه شأن كثير من دول الجنوب، أسير بنية تبعية اقتصادية وسياسية تشكلت عبر قرن من التدخلات الأجنبية والتقلبات الداخلية. وهذه الخصوصية جعلت منه نموذجًا مصغَّرًا لأزمات الجنوب العالمي، وفي الوقت ذاته، ساحة لاختبار إمكانيات التحرر التنموي من خلال صيغ تعاون جديدة، من أبرزها الشراكة مع الصين.
ينتمي العراق موضوعيا إلى فضاء الجنوب العالمي ليس فقط من زاوية جغرافيته السياسية، بل من خلال موقعه البنيوي في الاقتصاد العالمي. فاقتصاده ريعي أحادي يعتمد على تصدير مادة أولية (النفط) إلى الأسواق الصناعية الكبرى، مقابل استيراد السلع المصنعة والتكنولوجيا. هذه البنية الريعية جعلت من الاقتصاد العراقي تابعا لتقلبات النظام الرأسمالي العالمي وأسعاره، ما أدى إلى ضعف القاعدة الإنتاجية المحلية وغياب التصنيع المستقل، وهي سمة مشتركة بين معظم دول الجنوب. وإلى جانب ذلك، فإن التبعية المالية والمؤسسية للمؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين عمقت هذا النمط من الاعتماد، وأبقت الدولة في حالة هشاشة أمام الضغوط الخارجية، سواء في مجال السياسات الاقتصادية أو تطوير البنى التحتية .
إلا أن خصوصية العراق لا تتوقف عند حد التبعية الاقتصادية، بل تمتد إلى موقعه الجيوسياسي المعقد ، إذ يتقاطع فيه النفوذ الأمريكي والغربي التقليدي مع الصعود الآسيوي المتسارع، المتجسد بصورة خاصة في المشروع الصيني الطموح المتمثل في مبادرة الحزام والطريق. ويعد العراق، من منظور الجغرافيا السياسية، حلقة وصل استراتيجية بين الشرق الآسيوي والشرق الأوسط، وبين الممرات البرية والبحرية التي تسعى الصين من خلالها إلى إعادة رسم خرائط الاتصال الاقتصادي والتجاري العالمي. ومن ثم، فإن إدماج العراق في هذه المبادرة لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليحمل أبعادا جيوسياسية أعمق، ترتبط بإعادة تموضعه ضمن فضاء الجنوب العالمي الذي تعمل الصين على إعادة صياغته بوصفه إطارا تعاونياً يقوم على مبدأ الندية وتوازن المصالح، بعيدا عن الهيمنة والمركزية الغربية(6) .
منذ الإعلان عن مبادرة الحزام والطريق عام 2013، قدمت الصين رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى إعادة بناء البنى التحتية العالمية وتعزيز الترابط الاقتصادي بين القارات، بما يعزز دورها كفاعل رئيسي في النظام الدولي الناشئ. وتكمن أهمية المبادرة في مسعاها لإعادة صياغة قواعد العولمة الاقتصادية على أسس أكثر شمولًا وعدالة، من خلال الربط بين التنمية الاقتصادية وبناء البنى التحتية، وتوسيع نطاق الشراكات الدولية على أساس المنفعة المتبادلة لا التبعية. فالمبادرة لا تقتصر على تشييد الطرق والموانئ وسكك الحديد، بل تهدف إلى إقامة شبكة عالمية من الترابط المالي والتكنولوجي والثقافي، تعيد التوازن في تدفقات التجارة والاستثمار، وتفتح أمام الدول النامية، ومنها العراق، آفاقًا أوسع للتنمية المستقلة والانفتاح المتكافئ(7).
كما تمثل في منظورها الاستراتيجي الأوسع، أداة لإعادة توزيع موازين القوة العالمية من الغرب إلى الشرق، من خلال تفعيل محور آسيا–الشرق الأوسط–أوروبا كمسار بديل للنظام الاقتصادي الدولي القائم.
وفي هذا الإطار، يحتل العراق موقعًا محوريًا في الرؤية الصينية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي، بل أيضا لما يمتلكه من إمكانات اقتصادية وطاقوية تؤهله ليكون مركز عبور رئيسي في الممرات التجارية التي تربط شرق آسيا بالبحر المتوسط وأوروبا. ويعد العراق حلقة أساسية في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الممتد عبر آسيا الوسطى وإيران وصولًا إلى البحر المتوسط، كما يمكن أن يشكل محور ربط بحري بين الخليج العربي والبحر الأحمر، بما يمنحه موقعا مزدوجًا في البنية اللوجستية للمبادرة.
على الصعيد الجيوسياسي، يمثل انخراط العراق في مبادرة الحزام والطريق فرصة لإعادة توازن علاقاته الخارجية في ظل بيئة دولية تتجه نحو التعددية القطبية. فالمشاركة في المبادرة تتيح للعراق هامشا أوسع من الاستقلالية في قراراته الاقتصادية والسياسية، وتمكنه من الانخراط في منظومة تعاون جنوب–جنوب تستهدف بناء نموذج تنموي قائم على المصالح المشتركة لا على الهيمنة. ومن هذا المنطلق، يمكن للعراق أن يتحول من ساحة تنافس بين القوى الكبرى إلى فاعل بنيوي في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.
إن انضمام العراق إلى مبادرة الحزام والطريق لا يعكس مجرد مشاركة في مشروع تنموي عالمي، بل يشير إلى تحول نوعي في إدراكه لدوره وموقعه ضمن النظام الدولي المتغير.
فالعراق، بما يمتلكه من موقع استراتيجي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وبما لديه من موارد بشرية وطبيعية غنية، مؤهل لأن يكون محورا فاعلًا في إعادة تشكيل مسارات الاتصال بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. ومن ثم، فإن تفعيل دوره ضمن هذه المبادرة يمكن أن يشكل مدخلاً أساسياً لتحرير قراره الاقتصادي والسياسي من أحادية التبعية، واستعادة دوره التاريخي والحضاري كجسر يربط بين الشرق والغرب، ويعزز التبادل الثقافي والاقتصادي بين المراكز الإقليمية الكبرى.
وبذلك، لا يكون العراق مجرد متلق للمساعدات أو الاستثمارات، بل فاعلا محتملا في صياغة التوازنات الجديدة بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، ومؤسسة تاريخياً كحلقة وصل حضارية تثري التفاعل بين مختلف الثقافات والحضارات.
على الصعيد الاقتصادي، يعكس العراق بوضوح التناقضات البنيوية التي يعيشها الجنوب العالمي، الوفرة في الموارد مقابل الفقر في التنمية، والاعتماد على الريع مقابل العجز في الإنتاج، والانفتاح على السوق العالمية دون امتلاك القدرة التنافسية المحلية. هذه التناقضات جعلت الاقتصاد العراقي نموذجاً لما يعرف في الأدبيات التنموية بـ«فخ التبعية الريعية»، وهو ما يعمق هشاشة الدولة ويفتح المجال لتجدد التبعية في صور جديدة. ولذلك، فإن الانفتاح على الصين يُنظر إليه في الأوساط العراقية ليس فقط بوصفه خيارا اقتصاديا ، بل كاستراتيجية تحرر نسبي من مركزية الغرب وهيمنته الاقتصادية والسياسية.
من منظور الجنوب العالمي، تمثل الصين نموذجاً مغايرا، فهي دولة نجحت في الصعود داخل النظام الرأسمالي العالمي دون أن تفقد سيطرتها على أدواتها الوطنية للتنمية. ومن هنا، فإن الشراكة بين العراق والصين لا يمكن فهمها إلا كجزء من التحولات الأوسع في ميزان القوى العالمي، حيث تسعى دول الجنوب إلى بناء نماذج تعاون جديدة تعيد توزيع الأدوار في الاقتصاد الدولي. العراق، إذ ينخرط في هذه الشراكة، يسعى إلى إعادة بناء اقتصاده على أسس أكثر استقلالًا من خلال الاستفادة من الخبرة الصينية في مجالات الصناعة والبنية التحتية ونقل التكنولوجيا، بما يتجاوز مجرد العلاقة التجارية أو الاستثمارية.
لقد مثل الاحتلال الأمريكي عام 2003 نقطة انكسار حادة في مسار العراق التنموي، إذ أُعيد تشكيل الاقتصاد وفق منطق السوق المفتوحة والخصخصة العشوائية، ما أدى إلى انكماش القطاعات الإنتاجية وتفكيك مؤسسات الدولة الاقتصادية. ومع استمرار الاضطرابات السياسية والأمنية، تراجع الاستثمار المحلي وتفاقمت البطالة والفقر، لتظهر حاجة موضوعية إلى نموذج تنموي بديل لا يقوم على التبعية للمؤسسات الغربية، بل على بناء شراكات تنموية قائمة على التكافؤ والسيادة. هنا تحديدًا وجدت الصين موقعها بوصفها شريكا محتملًا قادرا على المساهمة في إعادة إعمار العراق دون فرض شروط سياسية أو أيديولوجية.
كما تعكس الاتفاقية الإطارية بين بغداد وبكين عام 2019، المعروفة باسم النفط مقابل الإعمار ، جوهر هذا التحول في رؤية العراق لدوره داخل الجنوب العالمي(8).
فهي تمثل صيغة هجينة تجمع بين استثمار الموارد الطبيعية داخليا وتوظيفها في مشاريع تنموية ملموسة بإدارة وتمويل صينيين، مقابل حصول الصين على إمدادات مستقرة من النفط العراقي. لكن البعد الأعمق لهذه الاتفاقية يكمن في رمزيتها، إذ تشير إلى انتقال العراق من الاعتماد التقليدي على أطر التعاون والمساعدة الغربية إلى فاعل منخرط في شبكة تعاون آسيوي عالمي جديدة، تتحدى احتكار الشمال لآليات التنمية والتمويل.
من الناحية الجيوسياسية، تضع هذه الشراكة العراق في موقع توازن حساس بين كتلتي القوة العالميين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين من جهة أخرى. فالعراق يدرك أن موقعه الجغرافي يجعله حلقة رئيسية في أي توازن إقليمي جديد، وأن تنويع شراكاته الاقتصادية والسياسية يعد أداة لتعزيز سيادته واستقلاله الاستراتيجي. إن انخراط العراق في مبادرة الحزام والطريق يمنحه فرصة للاندماج في فضاء اقتصادي عابر للقارات يمتد من الصين إلى أوروبا، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليه مسؤولية صياغة سياسات متوازنة تحافظ على استقلال القرار الوطني.
من هنا تبرز الإشكالية الأساسية التي تواجه دول الجنوب عموما والعراق خصوصا كيف يمكن الاستفادة من الشراكات الدولية دون الوقوع في فخ التبعية الجديدة؟ الجواب، كما تظهر التجربة الصينية، يكمن في قدرة الدولة على إدارة الانفتاح الخارجي بشروطها الخاصة، وربط الاستثمارات الأجنبية بمشاريع وطنية محددة تستهدف بناء القدرات المحلية. فالصين حين فتحت اقتصادها لم تفعل ذلك دون تخطيط أو رقابة، بل وضعت خطوطا حمراء تحافظ على مركزية الدولة في الاقتصاد وتضمن تحويل الانفتاح إلى وسيلة لبناء الذات لا لتفكيكها. إذا ما استطاع العراق أن يطبق هذا المبدأ من خلال إلزام الشركات الصينية بتدريب الكوادر المحلية ونقل التكنولوجيا وزيادة الوجود العراقي في المشاريع، فإنه سيكون قادرا على تحويل هذه الشراكة إلى رافعة للتنمية المستقلة.
إن القراءة المتأنية لتجربة الصين تبرز أن التنمية ليست مسار تقنيا أو ماليا فحسب، بل مشروعا سياسيا وسياديا بالدرجة الأولى. فالصين لم تكن مجرد دولة نامية نجحت، بل نموذج لبلد من الجنوب أعاد صياغة علاقته بالنظام العالمي من موقع الفاعل لا التابع. والعراق، إن أراد الخروج من دوامة الريع والتبعية، يحتاج إلى استلهام هذا النهج، لا من حيث الوسائل فحسب، بل من حيث الرؤية و ربط التنمية بإعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان. فالقضية ليست في حجم الاستثمار أو عدد المشاريع، بل في من يملك القرار حول اتجاهها ومردودها.
إن موقع العراق في الجنوب العالمي يضعه أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن يستمر في موقعه كدولة ريعية تابعة لاقتصاد النفط وتوازنات القوى الكبرى، وإما أن يتحول إلى نموذج لدولة جنوبية تمتلك الإرادة لتوظيف مواردها وشراكاتها في بناء تنمية مستقلة. الشراكة مع الصين تفتح أمامه هذا الاحتمال الثاني، لكنها لا تضمنه تلقائيا. فالتنمية ليست تستورد ، بل تصنع داخليا. وما يحدد نجاح التجربة ليس وجود الشريك فحسب، بل وجود الإرادة الوطنية القادرة على تحويل هذه الفرصة إلى مشروع سيادي شامل. فكما تظهر تجارب الجنوب، التحرر من التبعية لا يمنح ، بل ينتزع من خلال إعادة تعريف التنمية ذاتها باعتبارها شكلًا من أشكال المقاومة الاقتصادية ضد هيمنة النظام العالمي القائم (9).
في النهاية، يمكن القول إن موقع العراق في الجنوب العالمي يمنحه خصوصية مزدوجة فهو في آن واحد ضحية لبنية التبعية العالمية وإمكانية لتجاوزها. فبقدر ما يعاني من اختلالات الهيمنة، يمتلك أيضا أدوات التحرر عبر موارده وموقعه وتنوعه البشري. وإذا استطاع أن يربط تجربته التنموية بمسار التعاون الصيني الآسيوي الناشئ، فإن العراق لن يكون مجرد طرف في معادلة الجنوب، بل أحد أركانها الفاعلة في إعادة رسم خريطة التوازنات الدولية والتنموية في القرن الحادي والعشرين.
المحور الثالث :التكامل الاقتصادي والاستثماري في العلاقات العراقية–الصينية: نحو شراكة تنموية متوازنة
شهدت العلاقات الاقتصادية بين جمهورية العراق وجمهورية الصين الشعبية خلال العقدين الأخيرين تطورًا متسارعًا اتسم في معظمه بطابع نفطي واضح. فقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر للعراق وأحد أبرز المستثمرين في قطاع الطاقة، إلا أن هذا التوسع النفطي لم يقابله تنويع مماثل في القطاعات التنموية الأخرى، الأمر الذي أضفى على العلاقة طابعًا من الاختلال البنيوي في هيكل التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ومع ذلك، فإن جذور هذا التعاون لا يمكن فهمها بمعزل عن الخلفية التاريخية التي أرستها الصين خلال العقود السابقة، ولا سيما في مرحلة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بعد عام 1990.ففي تلك الفترة الحرجة،حافظت الصين على مستوى من التواصل التجاري والإنساني معه ضمن إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، متبنية موقفًا داعمًا لحق العراق في التنمية والسيادة على موارده(10).
ومع أواخر التسعينيات، بدأت الصين تدرك الأهمية الاستراتيجية للعراق من زاويتين مترابطتين اقتصادية وجغرافية. فالعراق يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية عالميًا، ويقع عند تقاطع محاور التجارة بين الخليج العربي وبلاد الشام وآسيا الوسطى، ما يمنحه موقعًا حيويًا في معادلة الطاقة والنقل الإقليمية. وفي هذا السياق، وقّعت الشركة الوطنية الصينية للنفط (CNPC) عام 1997 اتفاقًا مع شركة النفط الوطنية العراقية لتطوير حقل الأحدب في محافظة واسط، في خطوةٍ عكست رغبة صينية مبكرة بالدخول إلى السوق العراقية. ورغم أن العقوبات الدولية حينها حالت دون تنفيذ المشروع بالكامل، فقد شكّل الاتفاق سابقة مهدت لانطلاقة أوسع بعد عام 2003(11).
وقد تجسد هذا الانفتاح فعليًا من دخول الشركات الصينية بقوة إلى قطاع النفط العراقي ابتداءً من عام 2008، حين أُعيد تفعيل اتفاق تطوير حقل الأحدب، وتبعت ذلك سلسلة من العقود الكبرى لتطوير حقول الحلفاية في ميسان، ومجنون في البصرة، والرميلة وغيرها. ومع مرور الوقت، أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط العراقي، وأحد أبرز المستثمرين في قطاع الطاقة، حيث تجاوزت قيمة استثماراتها في هذا المجال وحده عشرة مليارات دولار خلال العقدين الماضيين(12).
ولم يقتصر الحضور الصيني على استخراج النفط فحسب، بل شمل تطوير البنى التحتية النفطية من أنابيب نقل ومحطات ضخ وتكرير، بما أسهم في تعزيز كفاءة الصادرات العراقية.
تكتسب احتياطات النفط العراقية أهمية خاصة في الإدراك الاستراتيجي الصيني، إذ يمتلك العراق احتياطيًا نفطيًا مؤكدًا يبلغ نحو 145.02 مليار برميل، ويقدر الاحتياطي غير المؤكد بنحو 360 مليار برميل، ما يجعل نسبة الاحتياطي العراقي نحو 11.7% من الإجمالي العالمي. ويحتل العراق المرتبة السابعة عالميًا بوصفه أكبر احتياطي نفطي في العالم وفق إحصاءات منظمة أوبك لعام 2021.
كما يحافظ العراق على مرتبة ثابتة بين أكبر ثلاثة أو أربعة موردين للنفط الخام إلى الصين، التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم. ففي عام 2022، احتل العراق المرتبة الثالثة بين موردي النفط إلى الصين بنسبة 10% بعد روسيا والسعودية. أما في عام 2025، فقد أعلنت إدارة الجمارك الصينية أن العراق حل في المرتبة الرابعة بين أكبر مصدري النفط إلى الصين، إذ بلغت الكميات المصدرة نحو 32.78 مليون طن.
وقد وقعت الشركات الصينية المملوكة للدولة عقودًا بلغت قيمتها نحو 265.3 مليار دولار عام 2017، في حين بلغت الاستثمارات الصينية في العراق أكثر من 20 مليار دولار عام 2019، إذ فازت الشركات الصينية بالعديد من العقود النفطية. ووفق تقرير صادر عن مركز التمويل الأخضر في جامعة فودان الصينية مطلع عام 2022، عززت الحكومة الصينية استراتيجيات التمويل والاستثمار في أكثر من 46 دولة ضمن مبادرة الحزام والطريق، حيث تلقّت 26 دولة استثمارات، وشاركت 37 دولة في مشاريع البناء، وكان العراق من بين الدول التي شهدت أعلى مستويات التمويل والاستثمار(13).
وفي عام 2025، بلغت الصادرات الصينية إلى العراق نحو 8.8 مليارات دولار في النصف الأول من العام، بزيادة 9.3% عن الفترة نفسها من عام 2024، فيما تجاوزت صادرات العراق إلى الصين 17.7 مليار دولار، أغلبها من النفط الخام(14).
لا تعكس هذه الأرقام ازدهار التبادل التجاري فحسب، بل تؤكد أن العراق اليوم هو ثالث أكبر شريك تجاري للصين في المنطقة العربية بعد السعودية والإمارات، وثالث أكبر مستفيد من الاستثمارات الصينية ضمن مبادرة الحزام والطريق.
وعلى الرغم من أن التعاون بين الجانبين ظل متركزًا في مجال الطاقة، شهدت السنوات الأخيرة توسعًا تدريجيًا في مجالات أخرى، لا سيما بعد توقيع مذكرات التفاهم المتعلقة بـالنفط مقابل الإعمار عام 2019، والتي نصت على تخصيص جزء من عائدات مبيعات النفط العراقي للصين لإيداعه في صندوق تمويل تنفذ من خلاله شركات صينية مشاريع بنية تحتية داخل العراق، مثل المدارس والطرق والجسور ومحطات الكهرباء. وقد مثل هذا الاتفاق تحولًا نوعيًا في مسار العلاقة، إذ نقلها من مستوى التبادل السلعي إلى مستوى التعاون الاستثماري والإنشائي الذي يربط بين قطاع الطاقة ومتطلبات التنمية المحلية.
غير أن هذا التحول ما يزال محدودًا من حيث التنوع، إذ يتركز بشكل رئيسي على بعض مجالات البنية التحتية والقطاع النفطي، بينما تبقى الاستثمارات في مجالات الصناعة والزراعة والتعليم محدودة نسبيًا. وفي هذا الإطار، يحاول العراق استثمار التعاون مع الصين لتقليص اعتماده على الموارد الريعية وتعزيز التحول نحو اقتصاد إنتاجي متكامل، غير أن ضعف التخطيط الاستراتيجي والمؤسسي يشكل عائقًا أمام تحقيق هذا الهدف وتوسيع نطاق الاستثمارات الصينية لتشمل قطاعات أوسع تدعم التنمية المستدامة.
من منظور استراتيجي، تمثل العلاقة مع العراق جزءًا من الرؤية الصينية الرامية إلى بناء شبكة طاقة عالمية آمنة تدعم أمنها القومي والتنمية المستدامة.فالعراق، بوصفه ثاني أكبر مصدر عربي للنفط إلى الصين بعد السعودية، يحتل موقعًا محوريًا في معادلة الأمن الطاقوي لبكين. وفي المقابل، يمنح التعاون مع الصين العراق مصدرًا تمويليًا وتكنولوجيًا بديلًا يمكن أن يساهم في إعادة بناء اقتصاده الوطني، بشرط أن يدار ضمن رؤية وطنية شاملة توظف عائدات النفط في تعزيز القطاعات الإنتاجية(15).
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تزال في مرحلة تكامل موجه نحو الطاقة والتنمية الأساسية، لكنها تنطوي على إمكانات كبيرة لتوسيعها نحو شراكة أكثر شمولًا واتزانًا. فالتجربة الصينية تمثل نموذجًا لدولة من الجنوب استطاعت تحويل مواردها إلى قوة إنتاجية مستقلة، وهو ما يمكن للعراق استلهامه لتجاوز فخ التبعية الريعية.
يتوقف مستقبل هذه العلاقة على قدرة الطرفين على تحقيق المواءمة بين المصالح الاقتصادية الآنية والرؤى التنموية بعيدة المدى. فإذا تمكن العراق من بناء إطار مؤسسي فعّال لإدارة الاستثمارات الصينية وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة، فإن التعاون الصيني–العراقي يمكن أن يتحول من علاقة نفطية إلى شراكة تنموية حقيقية تضع العراق على مسار تنمية أكثر استقرارًا واستقلالًا ضمن منظومة الجنوب العالمي.
فالصين، بما تمتلكه من خبرة في تطوير الصناعات التحويلية والتكنولوجيا المتوسطة والمتقدمة، مؤهلة لتكون شريكًا رئيسيًا للعراق في تطوير الصناعات البتروكيمياوية، والطاقة المتجددة، والزراعة الحديثة، والنقل الذكي، وهي مجالات تمثل ركائز أساسية لأي اقتصاد يسعى إلى التنويع والاستدامة.
ولتحقيق هذا الهدف، يتعين على العراق تهيئة مجموعة من الشروط الاقتصادية والمؤسسية، أبرزها:
1. بناء إطار استثماري وتنظيمي شفاف يضمن التنافسية في العقود ويحد من البيروقراطية التي تعيق تنفيذ المشاريع.
2. توجيه الاستثمارات الصينية نحو القطاعات الإنتاجية عبر شراكات طويلة الأمد في الصناعات التحويلية والطاقة النظيفة.
3. تعزيز نقل المعرفة والتكنولوجيا من خلال إلزام الشركات الصينية بتوظيف وتدريب الكفاءات العراقية.
4. إنشاء مناطق صناعية مشتركة في مدن استراتيجية مثل البصرة أو كربلاء أو الموصل، موجهة للتصدير ضمن مبادرة الحزام والطريق، ما يجعل العراق عقدة إنتاجية لا مجرد ممر أو مصدر خام.
5. دمج الشراكة الصينية ضمن استراتيجية تنمية وطنية تراعي الأمن الاقتصادي بعيد المدى، بحيث تستثمر عائدات النفط في بناء الاقتصاد الإنتاجي.
إن التحول نحو شراكة تنموية حقيقية يتطلب إرادة سياسية عراقية واضحة ورؤية اقتصادية استراتيجية تضع الاستفادة من القدرات الصينية في صميم مشروع التنمية الوطني. فبدون تخطيط اقتصادي مؤسسي يحدد أولويات الاستثمار، سيظل التعاون الصيني–العراقي محصورًا في الإطار الريعي، ولن يحقق أهداف التنويع وبناء القدرات الذاتية.
وعليه، تقف العلاقات العراقية–الصينية اليوم عند مفترق طرق فإما أن تبقى محصورة في إطارها النفطي التقليدي، أو أن تتطور إلى شراكة إنتاجية قائمة على الاستثمار في الإنسان والبنية الإنتاجية. وإذا ما اختار العراق المسار الثاني، فسيكون بإمكانه الاستفادة من التجربة الصينية بوصفها نموذجًا ناجحًا لدولة من الجنوب تمكنت عبر التخطيط والرؤية طويلة الأمد من التحول من التبعية إلى الاستقلال الاقتصادي.
المحور الرابع :التعاون السياسي والدبلوماسي
على امتداد العقود الماضية، ظلت الصين تتعامل مع العراق من منطلق مبدئي يقوم على احترام سيادته ووحدته الوطنية، والتمسك بمبدأ عدم التدخل في شؤونه الداخلية. وقد برز هذا الموقف على نحو واضح خلال مرحلة التسعينيات، حينما كان العراق يخضع لعقوبات دولية خانقة فرضها مجلس الأمن عقب حرب الخليج الثانية. ففي الوقت الذي اختارت فيه العديد من القوى الدولية تبني نهج العقوبات والضغط السياسي، اتخذت الصين موقفًا مغايرًا يدعو إلى الحوار والتسوية السلمية، مؤكدة في أكثر من مناسبة أن الحصار المفروض ألحق ضررًا جسيمًا بالشعب العراقي، وأن معالجة الأزمة ينبغي أن تكون عبر الحلول الدبلوماسية لا عبر الإجراءات العقابية(16).
وقد مثل هذا الموقف الإنساني والسياسي المتوازن أحد أبرز تجليات التزام الصين بمبادئ العدالة الدولية وحق الشعوب في التنمية والاستقلال، ما رسخ صورتها في الوعي العراقي كقوة دولية تتعامل بمبدأ احترام متبادل بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية والمصالح الضيقة.
ومع سقوط النظام السابق عام 2003 ودخول العراق مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، سارعت الصين إلى إعلان دعمها الكامل للعملية السياسية الجارية آنذاك، مرحبة بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي، ومعبرة عن أملها في أن يتمكن العراق من استعادة أمنه واستقراره وإعادة بناء مؤسساته الوطنية على أسس ديمقراطية. وفي هذا السياق، شددت بكين على ضرورة أن يقرر الشعب العراقي مصيره بنفسه بعيدًا عن أي وصاية خارجية، مؤكدة التزامها بمساندة وحدة العراق وسيادته واستقلال قراره الوطني. وقد بادرت الصين، انطلاقًا من هذا الموقف، إلى فتح قنوات تواصل دبلوماسي مباشر مع بغداد، تجسد ذلك في سلسلة من الزيارات الرسمية المتبادلة التي أرست أسس التعاون السياسي الجديد بين البلدين. وكانت زيارة الرئيس الراحل جلال الطالباني حين كان عضوًا في مجلس الحكم الانتقالي إلى العاصمة بكين في السابع من أغسطس عام 2003 محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، إذ مثلت أول زيارة رسمية لمسؤول عراقي رفيع بعد التغيير السياسي. وقد أكدت القيادة الصينية خلال هذه الزيارة دعمها الكامل للعراق وجهوده في إعادة الإعمار، وأبدت استعدادها للمشاركة الفاعلة في إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات الحكومية، انطلاقًا من قناعتها بأن استقرار العراق يمثل عنصرًا أساسيًا في تحقيق التوازن الإقليمي.
أسفرت هذه الزيارة عن توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني إلى جانب ثلاث مذكرات تفاهم أرست الأسس العملية للتعاون المستقبلي بين البلدين. فقد نصت الاتفاقية الأولى على تقديم منحة صينية بقيمة خمسين مليون يوان، خُصصت لدعم المشاريع الإنسانية وإعادة الإعمار، في إشارة واضحة إلى تضامن الصين مع الشعب العراقي ورغبتها في بناء علاقة قائمة على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة.
أما المذكرة الثانية فتناولت ملف الديون والتعاون النفطي، حيث تم الاتفاق على تسوية الديون المستحقة للشركات الصينية على العراق والتي بلغت نحو 8.479 مليار دولار أمريكي، وقد أعلنت بكين موافقتها على شطب 80% من تلك الديون، في خطوة اعتبرت من أكبر مبادرات الدعم المالي التي تلقاها العراق من دولة كبرى في تلك المرحلة. وساهم هذا القرار في تخفيف العبء المالي عن بغداد وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، كما نصت المذكرة ذاتها على تعزيز التعاون في مجالات النفط والغاز الطبيعي على أساس المصالح المتبادلة، الأمر الذي مهد لاحقًا لمشاركة الشركات الصينية في تطوير الحقول النفطية العراقية. في حين نصت المذكرة الثالثة على إنشاء آلية مشاورات سياسية دورية بين وزارتي الخارجية في البلدين، لتكون إطارًا مؤسسيًا للحوار السياسي المنتظم وتبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وقد شكلت هذه الخطوة نقلة نوعية في العلاقات العراقية–الصينية، إذ انتقلت من نطاق التعاون الاقتصادي إلى فضاء الشراكة السياسية والدبلوماسية المتكاملة(17).
لم يقتصر الدعم الصيني على الإعفاءات المالية، بل امتد ليشمل منحًا إضافية لدعم المشاريع التنموية والفنية، من بينها منح ماليا لتعزيز التعاون الاقتصادي والفني، وهو ما يعكس رغبة بكين في تحويل التعاون الثنائي إلى شراكة مستدامة طويلة الأمد.
وقد تميزت هذه العلاقة بثبات الموقف ومرونة الأسلوب، وهو ما مكن الجانبين من تجاوز التحديات دون المساس بجوهر التعاون. كما أسهم التنسيق المشترك في المحافل الدولية، ولا سيما في الأمم المتحدة ، في ترسيخ أطر التعاون السياسي بين البلدين وتعزيز التفاهم حول قضايا السيادة الوطنية واحترام القانون الدولي.
ويعكس هذا المسار التكامل بين الرؤية الصينية القائمة على مبدأ التعددية القطبية والتوجه العراقي نحو تنويع الشراكات الدولية. فالصين تنظر إلى العراق بوصفه شريكًا أساسيًا في استقرار الشرق الأوسط ، بينما يرى العراق في الصين قوة اقتصادية وسياسية صاعدة توازن بين المصالح والتفاهمات دون فرض إملاءات أو شروط سياسية، الأمر الذي ينسجم مع سعي بغداد إلى بناء سياسة خارجية متوازنة قائمة على مبدأ “الانفتاح المتعدد الاتجاهات”. ومن هنا، غدت العلاقة بين البلدين نموذجًا للتعاون الدولي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بعيدًا عن منطق الاستقطاب(18).
وفي ضوء التحولات الدولية الراهنة، يبدو أن آفاق التعاون السياسي والدبلوماسي بين العراق والصين مرشحة لمزيد من التطور والتعميق. فتعزيز آليات الحوار السياسي وتفعيل اللجان المشتركة للتنسيق الدبلوماسي يمكن أن يسهم في توسيع مجالات التعاون لتشمل قضايا الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، ودعم جهود التنمية المستدامة في المنطقة. كما أن استمرار الصين في انتهاج سياستها القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بالتوازي مع توجه العراق نحو الانفتاح المتوازن، يمنح هذه العلاقة طابعًا استراتيجيًا مرنًا وقابلًا للتطور وفق مصالح الطرفين.
إن المتتبع لمسار العلاقات السياسية والدبلوماسية بين العراق والصين منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم يلحظ أن بكين تبنت نهجًا ثابتًا في الموقف ومرنًا في الأسلوب. فهي لم تتعامل مع العراق من منطلق المصلحة الاقتصادية الضيقة، بل من رؤية استراتيجية أشمل ترى في استقراره ركيزة لاستقرار الشرق الأوسط، وفي التعاون معه فرصة لتعزيز مبدأ التعددية الدولية وإرساء التوازن في النظام العالمي. وهكذا تحولت العلاقة السياسية بين البلدين من مجرد تفاعل دبلوماسي محدود إلى شراكة متكاملة تستند إلى الثقة المتبادلة والاحترام المتكافئ للسيادة والمصالح الوطنية، لتشكل اليوم أحد أبرز النماذج في بناء علاقات دولية قائمة على التفاهم والتوازن والاستمرارية.
المحور الخامس :التعاون الثقافي والأكاديمي بين العراق وجمهورية الصين الشعبية: نحو شراكة معرفية في إطار الجنوب العالمي
تعود الجذور التاريخية للعلاقات الثقافية بين العراق والصين إلى قرون بعيدة، وتحديدًا إلى العصر العباسي في بغداد وعصر أسرة تانغ في الصين، حين شكل طريق الحرير القديم فضاءً للتواصل الحضاري وتبادل المعارف والسلع والأفكار بين المشرقين العربي والآسيوي(19).
فقد أسهمت بغداد، بما كانت تمثله من مركزٍ علمي وثقافي عالمي، في استقبال نتاجات الحضارة الصينية، أبرزها صناعة الورق التي انتقلت إلى العراق، لتصبح ركيزة أساسية في ازدهار حركة الترجمة والبحث العلمي وإنتاج المعرفة في بيت الحكمة، وهو ما مهد لاحقًا لنهضة فكرية شملت العالم الإسلامي بأسره(٢٠).
ومع نشوء النظام الدولي الحديث وتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، كان العراق من أوائل الدول العربية التي سارعت إلى إقامة علاقات دبلوماسية وثقافية مع بكين، إدراكًا لأهمية البعد الحضاري والإنساني في بناء الشراكات الدولية. وقد شهدت العقود التالية توسعًا تدريجيًا في نطاق التبادل الثقافي والتعليمي، من خلال إرسال بعثات دراسية عراقية إلى الجامعات الصينية، فضلًا عن مشاركة الجانبين في فعاليات أكاديمية ومعارض فنية تعكس روح التفاعل بين الثقافتين(21).
ومع إطلاق مبادرة “الحزام والطريق”، اكتسب التعاون الثقافي والأكاديمي بين البلدين بُعدًا استراتيجيًا جديدًا، إذ بات ينظر إليه كجزء أساسي من بنية التعاون الشامل الذي يجمع العراق والصين في مجالات الاقتصاد والتنمية والبنى التحتية. فالمبادرة لم تقتصر على إعادة إحياء المسارات التجارية القديمة، بل سعت إلى بناء جسور إنسانية قائمة على التفاهم الحضاري والتبادل المعرفي. وقد أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ في أكثر من مناسبة على أن “الحزام والطريق ينبغي أن يكون طريقًا للثقافة والتعلّم المشترك”، بما يعزز التواصل بين الشعوب ويفتح آفاقًا جديدة لبناء مستقبل قائم على التعاون لا التنافس(22).
في هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير البنية المؤسسية للتعاون الثقافي والأكاديمي بين العراق والصين، من خلال إعادة تفعيل أو افتتاح المستشارية الثقافية العراقية في بكين، ونظيرتها الصينية في بغداد، لتكون مركزًا لتنسيق الأنشطة الثقافية والبحثية، وتنظيم برامج التبادل الطلابي والأكاديمي، والإشراف على الاتفاقيات الجامعية الثنائية. فوجود هذه المستشاريات لا يقتصر على الجانب البروتوكولي، بل يمثل ركيزة دبلوماسية معرفية تُسهِم في نقل الخبرات الصينية في مجالات التكنولوجيا والتعليم والتخطيط التنموي إلى الجامعات العراقية، مقابل تعريف الأكاديميين والطلبة الصينيين بالتراث العلمي والثقافي الرافديني الغني.
كما يعد توسيع برامج التبادل الطلابي والبحثي أحد أهم الأدوات لترسيخ الشراكة الثقافية بين البلدين، إذ يتيح للطلبة والباحثين العراقيين فرصًا للاطلاع على التجربة الصينية في التنمية المستدامة والحوكمة والتعليم التقني، في حين يتعرف نظراؤهم الصينيون على التاريخ العميق للحضارة العراقية ومقوماتها الثقافية. ويمكن أن تشكل هذه البرامج قاعدة لتأسيس شبكات بحثية مشتركة ومراكز دراسات متبادلة تعنى بقضايا التنمية والعلاقات الدولية في الجنوب العالمي.
إن هذا النمط من التعاون الثقافي والأكاديمي يجسد بوضوح فلسفة العلاقات “الجنوب–جنوب”، القائمة على التكامل لا التبعية، وعلى تبادل المعرفة والخبرة بما يخدم التنمية المشتركة. فالعراق والصين، بوصفهما دولتين ذواتي إرث حضاري عميق وانتماء إلى العالم النامي، يسعيان إلى بناء نموذج حضاري جديد للعلاقات الدولية، يقوم على التفاعل الثقافي المتوازن. ومن شأن تعميق هذا التعاون أن يعزز المكانة الثقافية للعراق في آسيا، ويجعل من الصين شريكًا معرفيًا واستراتيجيًا طويل الأمد في مشروع التنمية الوطني العراقي.
النتائج
1. تشكل العلاقات العراقية–الصينية نموذجًا بارزًا للتعاون جنوب–جنوب، يقوم على مبادئ المنفعة المتبادلة، بعيدًا عن أنماط الهيمنة التقليدية لدول الشمال.
2. أسهمت الشراكة مع الصين في تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية للعراق، وتقليل اعتماده على التمويل والمساعدات الغربية، بما يعزز استقلال قراره الوطني.
3. أظهرت المبادرات المشتركة، مثل اتفاقية النفط مقابل الإعمار، قدرة العراق على توجيه موارده الوطنية نحو مشاريع تنموية استراتيجية ضمن إطار التعاون الدولي دون الانجرار إلى تبعية سياسية.الا ان طريقة توقيع الاتفاق باعتباره عقدًا تجاريًا، وما تضمنه من إشكاليات، أسهمت في زيادة صعوبات تنفيذه في ظل الظروف والمتغيرات الداخلية التي شهدها العراق بعد زيارة الصين .
4. ساهم التعاون الثقافي والأكاديمي في تعزيز رأس المال البشري العراقي ونقل الخبرات الصينية، بما يعزز قدرة العراق على بناء نموذج تنموي مستقل ومستدام.
5. تقوم الشركات الصينية بإرسال كوادر فنية وإدارية متخصصة لدعم المشاريع المشتركة في العراق، بالإضافة إلى تقديم الدعم الفني والتقني، مما يضمن نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية.
6. يمثل العراق حلقة استراتيجية في شبكات النقل والطاقة ضمن مبادرة الحزام والطريق، مما يعزز موقعه كلاعب فاعل في محور الجنوب العالمي ويساهم في إعادة التوازن الإقليمي والدولي.
7. التجربة الصينية أثبتت إمكانية تحقيق دول الجنوب لنماذج تنموية مستقلة، تجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على السيادة الوطنية، دون الانزلاق في تبعية جديدة.
8. يعكس اعتراف العراق بسيادة الصين على تايوان التزامه بالسياسات الصينية، ويعزز الثقة المتبادلة ويشكل أساسًا لاستقرار واستدامة الشراكة الثنائية.
التوصيات والمقترحات
1. توسيع التعاون الاقتصادي جنوب–جنوب ليشمل الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والزراعة والتكنولوجيا، وليس الاقتصار على النفط والبنية التحتية.
2. تطوير البنية المؤسسية لإدارة المشاريع المشتركة بين العراق والصين بما يضمن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، من خلال تفعيل مذكرة التفاهم الخاصة بالتعاون الاقتصادي لإعادة الإعمار في العراق ، والتي تم توقيعها خلال الزيارة إلى الصين في سبتمبر 2019. وتمثل هذه المذكرة إحدى الآليات الرئيسة لتعزيز دور العراق في مبادرة الحزام والطريق، بالتكامل مع اللجنة العراقية–الصينية المشتركة واتفاقية إطار التعاون، بهدف تفعيل مشاريع إعادة الإعمار وربطها بالاستثمار التنموي طويل الأمد.
3. تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين الجامعات والمراكز البحثية لتشكيل شبكة علمية جنوب–جنوبية متكاملة، من خلال إنشاء مركز متخصص للبحوث والدراسات حول مبادرة الحزام والطريق، يكون مرتبطًا بإحدى تشكيلات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو الجامعات والكليات العراقية. يهدف المركز إلى متابعة إنجازات المبادرة الصينية، ورصد الفرص والتحديات المصاحبة لها، وتقديم دراسات وتقارير تحليلية مكثفة للحكومة العراقية لدعم اتخاذ القرارات الاستراتيجية في هذا المجال
4. ربط الاستثمارات بمشاريع تنموية وطنية لتجنب تحويل العراق إلى مجرد سوق للسلع أو مصدر خام، وتحويل التعاون إلى شراكة إنتاجية.
5. تعميق الحوار الاستراتيجي بين بغداد وبكين حول الأمن الإقليمي والممرات التجارية لضمان الاستقرار والتوازن ضمن شبكة العلاقات الدولية للجنوب.
6. استلهام التجربة الصينية في التخطيط طويل الأمد والتحكم بالموارد الوطنية، كإطار لتقوية استقلال القرار الوطني العراقي.
7. توسيع التعاون الإقليمي مع دول الجنوب الأخرى على غرار التجربة العراقية–الصينية لتعزيز مبدأ التضامن والتكامل الاقتصادي والسياسي.
8. إنشاء مشاريع مشتركة للتدريب ونقل المعرفة التقنية في قطاعات حيوية مثل الطاقة، الصناعة، والاتصالات.
9. تفعيل الاتفاقيات الثنائية لتشجيع الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة والشركات المحلية ضمن المشاريع الصينية.
Abstract
This study, titled “iraq and China: A New Approach to South–South Relations,” explores the dynamics of the evolving partnership between Iraq and China within the broader framework of Global South cooperation. It argues that this relationship embodies a pragmatic and balanced model grounded in the principles of sovereignty, equality, and sustainable development.
The research analyzes the main dimensions of cooperation — economic, political, and cultural — with particular emphasis on China’s position as Iraq’s leading trading partner, its consistent support for Iraq’s sovereignty, and the growing scope of cultural and educational exchange under the Belt and Road Initiative.
Ultimately, the study concludes that the Iraqi–Chinese partnership represents a strategic framework for diversified national development and an Independent foreign policy based on mutual respect, complementarity, and shared interests.
المصادر والمراجع
1. سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي، نقد نظرية التخلف، ترجمة بشير السباعي، دار ابن خلدون، بيروت، 1973.
2. اسماعيل صبري مقلد السياسة السوفيتية والدول الافرواسيوية، السياسة الدولية (مجلة) العدد (۷)، ۱۹۷۰.
3. أحمد محمد الربيعي، قصة تاريخ الصين، بيت الحكمة _مصر.
4. غالب الحمود عريبات، تخلف العرب والعالم الثالث، بيروت، ۱۹۸۳.
. ٥The Belt and Road Initiative: A Key Pillar of the Community of Shared Future.
https://my.china-embassy.gov.cn/eng/zgxw/202310/t20231018_11162803.htm
6. السفير الصيني تسوي وي، العراق شريك مهم للصين في مشروع الحزام والطريق، طريق الشعب.
7. نخبة من المؤلفين، العلاقات العربية _الصينية، مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠١٧.
8. العراق والصين يوقعان 8 اتفاقيات ومذكرات تفاهم مهمة، صحيفة الصباح.
https://alsabaah.iq/14334-.html
9. سمير أمين، التبادل اللامتكافئ والتنمية، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1988.
.١٠ Yitzhak Shichor, «Competence and Incompetence: The Political Economy of China's Relations with the Middle East, Asian Perspective, vol. 30, no. 4 (2006).
11. حكمات العبد الرحمن، للصين والشرق الأوسط، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسية، الطبعة الأولى ٢٠٢٠.
. ١٢Claire Astrid Fuchs، Fair Observer، https://www.fairobserver.com/economics/power-beneath-the-sands-the-investment-approaches-of-the-us-and-china-in-iraq/
13. الدكتور باهر مردان، الدكتور ايسر ياسين فهد، العلاقات العراقية الصينية من منظور مبادرة الجزام والطريق الصينية، مركز رواق بغداد للسياسات العامة ٢٠٢٣.
14. مؤسسة عراق المستقبل للدراسات والاستشارات الاقتصادية _تقرير شفق نيوز.
15. أسماء السعداوي، واردات الصين من النفط في 2023 تسجل مفاجآت، وكالة الطاقة.
16. محمد السيد سليم السياسة الصينية إزاء القضايا العربية وجهة نظر عربية، الفكر السياسي. http://www.reefnet.gov.sy/booksproject/fikr/7/11nathar.pdf
17. الدكتور باهر مردان، الدكتور ايسر ياسين فهد، العلاقات العراقية الصينية من منظور مبادرة الجزام والطريق الصينية، مركز رواق بغداد للسياسات العامة ٢٠٢٣.
18. الدكتور باسل فاروق السامرائي، سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط _القضية الفلسطينية أنموذجاً، طباعة الرافدين ٢٠١٥.
19. يوسف صقر العلاقات بين الدولة العباسية والصين، في العصرين العباسيين الأول والثاني 334-132 هجرية / 945-750 م)، ط1، المكتبة العصرية، بيروت، 2011.
20. أحمد محمد الربيعي، قصة تاريخ الصين، بيت الحكمة _مصر.
21. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
.٢٢Dr. Assad Mehmood Khan، CULTURAL DIPLOMACY AND THE BELT AND ROAD INITIATIVE: ANALYZING CHINA'S SOFT POWER STRATEGY.
https://jalt.com.pk/index.php/jalt/article/view/335
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء المركز.
